العلاج بدم الشباب

دائماً ما كان الطب شغوفاً بالمزيد ولا يكتفي بالموجود أو المتاح أو المُكتشف، ينظر دائماً وراء قضبان المجهول يطمع في إيجاد العلاج لكل ما يمكن تصنيفه بالمرض، لكن في أحيانٍ أخرى يتجاوزه ليبحث في ما لا نجرؤ على تسميته بالمرض وإنما آثار الحياة ونتائجها.

فكرة الخلود كانت من أكثر الأفكار التي شغلت عقل الإنسان وسلبت لبه بمغرياتها على مر الأزمان، وبرغم إدراكنا أن البقاء لله وحده وأن كل ما عليها فانٍ إلا أن الإنسان كان دائماً يحلم ببضع سنواتٍ من الشباب فوق سنواته المعتادة، بضع أيامٍ أخرى على وجه هذه الدنيا إذا استطاع.

 

من أعماق هذه الفكرة المزروعة في عقله الباطن بدأ علاجٌ جديدٌ بالظهور على الساحة، نوعٌ من إكسير الحياة المصغر إذا جاز لنا التعبير، بعد بحثٍ ودراساتٍ خرج لنا بعض الأطباء مدّعين أنهم يستطيعون علاج الشيخوخة مؤقتاً وإمداد كبار السن بسنواتٍ جديدةٍ يافعةٍ عن طريق نقل دم الشباب والمراهقين إليهم، متعللين بحقيقةٍ غير ملموسةٍ بعد تقول بأن دم الشباب يحمل سحراً خاصاً قادرٌ على عكس الشيخوخة وتأخيرها لبعض الوقت.

 

العلاج بدم الشباب

 

ما هي فكرة العلاج بدم الشباب

قد تبدو هذه الفكرة نوعاً محسناً من أسطورة مصاصي الدماء وذلك بحسب تعبير البعض الساخر عن الفكرة بعد انتشار خبر ظهور هذا العلاج وأخذه في الاعتبار بالفعل. تعتمد الفكرة على حقن كبار السن والمقبلين على الشيخوخة وهو نطاقٌ يضم كل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 35 عاماً بدم مراهقين أو شباب تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 25 عاماً.

بحسب التجارب التي أجريت فإن الشخص الواحد يتلقى حوالي 2 لتر من البلازما وهي الجزء السائل الشفاف من الدم بعد فصله عن خلايا الدم بحقنٍ بطيءٍ على عدة أيام ثم متابعة أحواله الصحية والجسدية خلال الفترة التالية لهذه العملية، مع إجراء العديد من الاختبارات المعملية لوظائفه الحيوية ومتابعة نشاط ما لا يقل عن 100 بروتين وإنزيم ومركب حيوي موجود في الدم باختلاف وظائفهم وتركيزاتهم.

وبعيداً عن شمولية مصطلح “علاج الشيخوخة” فبحسب التوقعات التي أعلنها الأطباء المشرفون على هذه الدراسات فهم يتوقعون قابلية هذا العلاج للقضاء على العديد من المشاكل والأمراض الناتجة عن الشيخوخة مثل أمراض القلب ومرض الخرف (الزهايمر) وحتى السرطان، بجانب قدرته على إعادة حيوية الشباب لخلايا الجسم مرةً أخرى واستعادة قدرتها على التجدد وزيادة القدرات الذهنية والجسدية لهؤلاء الأشخاص.

العلاج بدم الشباب مكونات الدم

 

التجارب والدراسات

فكرة العلاج بدم الشباب ليست أمراً وليد اللحظة أو فكرةً سمعنا بها الأسبوع الماضي، بل إن الحقيقة هي أن الدراسات والتجارب عليها بدأت من حوالي خمس سنوات وما زالت مستمرة حتى اليوم. كان مبعث الفكرة الأساسي هو تجربةٌ أُجريت في المعمل على فأرين أحدهما كبير السن والآخر يُعتبر في مقتبل الشباب.

في هذه التجربة أُجريت جراحةٌ على فأرين بحيث تم وصل جسديهما معاً ليتشاركا دورةً دمويةً واحدة، ومع متابعة حالتهما لوحظ استرداد الفأر العجوزبعضاً من عافية الشباب التي تمتع بها الفأر الشاب، زادت حواسه حدة وأصبح جسده أقوى وأكثر تحملاً وسرعةً، بينما قلّت كل أعراض الشيخوخة وكبر السن التي كانت باديةً عليه قبل العملية.

بعد متابعة نتائج هذه التجربة المثيرة للاهتمام توجه الأطباء بنظرهم إلى الإنسان وتصاعد تساؤلٌ بدى أكثر واقعيةً اليوم عن ذي قبل بإمكانية علاج الشيخوخة والعديد من أمراضها التي لم يجد لها الطب علاجاً حاسماً حتى اليوم كالخرف؟ ونظراً إلى عدم واقعية فكرة ربط رجلين معاً جراحياً كالذي حدث للفئران خرجت فكرة نقل دم الشباب إلى كبار السن وانتظار النتيجة.

كانت شركتان طبيتان هما أول من قام بهذه التجربة التي تطوع لها العديد من الناس، بل كان المثير للدهشة أن المتطوعين كانوا مستعدين لتحمل تكاليف التجارب من جيبهم الخاص والتي وصلت إلى 8,000 دولار أمريكي مقابل إمكانية استرداد القليل من ريعان الشباب مرةً أخرى.

بحسب الأقوال التي تكاثرت هنا وهناك شعر الذين استقبلوا بلازما تلك الدماء مرةً على الأقل بتغيرٍ في صحتهم وحياتهم وبأنهم أصبحوا أفضل وأكثر عافيةً بعد فترة مما كانوا عليه قبل تلقيه. بل إن بعض التجارب التي أُجريت في الصين كانت على عددٍ من مرضى الخرف الذين أعلنوا عن تحسن ذاكرتهم وتراجع المرض قليلاً بفضل دم الشباب الذي حصلوا عليه.

احصل على السعر المناسب لك لهذه العملية

مصداقية العلاج بدم الشباب

بطبيعة الحال دائماً ما نجد لكل شيءٍ ضداً أو مقابلاً وهو ما حدث مع هذا العلاج بعد ذيوع صيته وانتشار خبره في الأرجاء، وارتفاع معدل الأمل في نفوس الناس بتقديم الشباب لسنواتٍ عدة، وجاء الهجوم على مصداقية العلاج بدم الشباب من كل النواحي الطبية والعلمية والأخلاقية وأكثر.

كانت أول عقبةٍ علمية لم تتمكن الشركات الطبية التي يُنسب لها الفضل في بدء التجارب هو عدم وجود مجموعةٍ محايدةٍ للمقارنة بها، وهي طريقةٌ معروفةٌ ومعتادةٌ في التجارب العلمية حيث تُجرى التجربة على مجموعتين إحداهما تتلقى علاجاً حقيقياً والأخرى علاجاً وهمياً وهي تظن أنه حقيقي.

بعدها يُقارن بين نتائج كلا المجموعتين لمعرفة التأثير الحقيقي للعلاج وإن كان يحدث فارقاً ملموساً أو مجرد ظروفٍ مجتمعة مع أملٍ ساهم في إيحاء الجسم بأنه يتحسن. وكان رد الأطباء هو أن جميع المتطوعين دفعوا مستحقاتهم كاملة لذلك كان من غير الأخلاقي أن يُحقن بعضهم بالبلازما في حين يُوهم آخرون بتلقيها برغم دفعهم هم أيضاً.

وهو ما نتج عنه الاتهام التالي الذي وُجه إلى الشركات بأن غرضها كان ربحياً محضاً وأنها تستغل مرض الناس وأملهم في أخذ مبالغ يعتقدون أنها مبالغة مقارنةً بعملية نقل دمٍ معتادة تحدث بتكاليف أقل في حالات طبيةٍ أخرى. كما أن الكثيرين استنكروا فكرة استخدام الدم الذي يتبرع به الشباب لبنك الدم بغرض مساعدة المرضى في حقنه لأغنياء أصحاء لمجرد أنهم كبارٌ في السن ويملكون المال الكافي.

كانت المعارضة الطبية الكبيرة هي اعتراض المجتمع الطبي على مصداقية العلاج من الأساس، خاصةً أنه حتى يومنا هذا لم تفصح هذه الجهات عن نتائج موثقة وصحيحة لتجاربها وظلت متسترةً عليها، ما يتركنا جميعاً دون حقيقةٍ ملموسةٍ في مصداقية قدرة نقل دم الشباب على علاج أمراضٍ عذبت كثيرين وغيرت حياتهم.

العلاج بدم الشباب

 

تأثير الشيخوخة على أجسادنا

بعيداً عن الأمراض فما هو معنى الشيخوخة الحقيقي أو تفسيرها الفيزيائي الذي يجعلنا نبحث عن علاجٍ لها بحد ذاتها؟ فهناك حقيقةٌ مهمة نحب التنويه إليها وهي أن الغالبية العظمى من المتطوعين لتجارب العلاج بدم الشباب لم يكونوا مصابين بأية أمراضٍ حقيقية أو خطيرة إذا استثنينا تجارب المصابين بالخرف، لذا فإن غرضهم الأساسي كان علاج الشيخوخة وتأثيرها.

دماؤنا تحتوي على كمياتٍ من البروتينات التي تختلف في الوظيفة والتأثير والغرض والمعنى، وإحقاقاً للحق فلا توجد بروتينات استطاع العلم رصدها وتخصيصها للشيخوخة باعتبارها المسبب لها، وإنما هي نسبٌ متوازنةٌ ومتعادلة من البروتينات والفيتامينات والنواقل تكون لدينا في فترة شبابنا، يحصل عليها الجسم من مصادر داخلية وخارجية مختلفة ويحافظ على توازنها.

مع تقدمنا في العمر تبدأ كفاءة الجسد في الحفاظ على ذلك التوازن في التراجع وهو بالتالي ما يتسبب في انخفاض نسبة البعض وزيادة نسبة البعض الآخر فتنتج تغيراتٍ تدريجيةٌ طفيفة لا نلاحظها إلا بعد مرور سنواتٍ في أنسجة الجسد المختلفة ووظائفه الحيوية، حتى أن بعض النظريات تقول أن دماء رجلٍ عجوز قادرةٌ على تعجيل الشيخوخة في جسدٍ شاب، ومن هنا امتلأنا فضولاً بكيفية إحداث العكس، وهو ما يعني أنه نظرياً يمكن لدم الشاب تأخير الشيخوخة قليلاً لكنه لن يعالجها أو يعكس عملية التقدم في السن تماماً.

نتائج الدم لأمراضٍ مختلفة

من المهم أن نرى العلاقة بين الدم وبين الأمراض المختلفة التي حاول العلاج بدم الشباب تقديم الحلول لها لنعرف مغزى فكرته الكلية. تقول واحدةٌ من الدراسات أن هناك عدداً من البروتينات المميزة في الدم المعروفة بمضادات السرطان والتي تتواجد في دماء الأجنة بنسبٍ مرتفعة ثم تنخفض بعد ولادتهم لتصبح نسبتها في دماء الشباب والأصحاء أو غير المصابين بالسرطان منخفضة.

إلا أنها تزداد زيادةً ملحوظةً في الدم عند وجود السرطان وهو واحدةٌ من الأدلة التي يعتمد عليها الأطباء أحياناً في تشخيص هذا المرض والبدء في علاجه. بعد إجراء هذه التجارب اتضح أن هنالك انخفاضاً واضحاً بنسبة 20% في كمية هذه البروتينات في الدم، إلا أن الخبر السيء هو أنه لا توجد أدلةٌ طبيةٌ واضحةٌ تعني أن انخفاض نسبتها سيقلل من احتمالية إصابة الشخص بالسرطان في المستقبل.

أما بالنسبة للخرف أو الزهايمر فهو حالةٌ شائعةٌ لدى كبار السن حيث يبدأون بفقدان الذاكرة القريبة أو الحديثة برغم تذكرهم لأحداث طفولتهم البعيدة مثلاً  بالتفصيل، مع تقدم الخرف قد ينسون أحبائهم والأشخاص المحيطين بهم والمقربين إليهم وجزءٌ من ذلك يحدث بسبب تقدم الخلايا العصبية في المخ في السن وعجز قدرتها على التجدد للاحتفاظ بالمزيد من التجارب والخبرات والذكريات الجديدة.

بحسب تجارب العلاج الجديد تقول بعض الدراسات غير المؤكدة بعد أن إغراق المخ العجوز في تلك الدماء الشابة ساعده على استعادة البعض من قدراته وإعادة التجدد مرةً أخرى لخلاياه العصبية، ببطء لكن النتيجة كانت ظهور تحسنٍ في تلك الوظائف وبالتالي تراجع أعراض الخرف قليلاً.

 

خلاصة القول

خلاصة القول لدينا الآن في حقيقة العلاج بدم الشباب هو أنه من المبكر لنا أن نطلق الأحكام المطلقة على فكرةٍ تُعتبر حديثةً ووليدةً في جنبات علم الطب الفسيح والموجود منذ فجر التاريخ بشواهده وقصص رواته وأطبائه. حتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات فلا توجد أية أدلة أو ثوابت علمية حقيقية تدل على فعالية هذا العلاج وأنه أحدث فارقاً حقيقياً.

لكن لا يعني ذلك إنكارنا للفكرة بحد ذاتها أو معارضتنا لها، فبرغم المعارضات الشديدة التي حصل عليها إلا أن كل فكرةٍ جديدة دائماً ما كان لها معارضون ساهموا في صقلها حتى أصبحت حقيقة. لربما لسنا قادرين على علاج الشيخوخة اليوم إلا أننا قد نكون قادرين على توفير هذا العلاج بعد عدة سنوات أو على الأقل على توفير تقدمٍ في السن أكثر صحةً وراحة.

التجارب ما تزال صغيرة ووليدة ونجاحها الباهر في جو المعمل وعلى كائناتٍ غير الإنسان ربما ليست سوى بداية تحتاج منا العمل والتفكر أكثر لنقلها إلى أرض الواقع بشكلٍ يناسب الإنسان أكثر. لم يعالج دم الشباب أي مرضٍ بعد لكنه أعطانا فكرةً مدهشةً لإمكانية غسل الدم وتقليل نسب المواد الضارة والدهون وإمداد الخلايا بنبعٍ نضرٍ من الدم والبروتينات الشابة مكتملة العافية، نحتاج فقط إلى صقل الفكرة أكثر لتصبح عمليةً وواقعية فلا يمكن توقع الطب أبداً.

 

احصل على السعر المناسب لك لهذه العملية

عمليات أخرى يمكنك إجراءها

تنظيف البشرة الدهنية

تقنية نفرتيتي لشد الوجه